مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
64
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
بل إن الإسلام يعتبر كل عمل مفيد - إن كان صادرا بدافع إلهي طاهر - عبادة اللّه . ولذلك فإنه يعتبر طلب العلم عبادة ، وطلب الحلال عبادة ، والخدمات الاجتماعية عبادة . ومع ذلك ، فقد شرع تعاليم خاصة وضع بها مراسيم خاصة للعبادة بالمعنى الأخص - كالصلاة والصوم والحج ، ولكل من هذه العبادات علل وحكم وفلسفات . مراتب العبادات إن الناس لا يستوون في فهم العبادة بل يختلفون في ذلك : فهي عند بعضهم نوع من المعاملة والمعاوضة التي يقع بها التبادل بين العمل والأجر عليه ، فهو يعطي العمل وسوف يستلم الأجرة عليه ، وكما يصرف العامل طاقته العملية لصاحب العمل فيأخذ منه الأجرة على ذلك ، كذلك يتعب العابد أيضا بعبادته إذ يركع فيها ويسجد ويقوم ويقعد ، ومن الطبيعي أن يطلب على ذلك أجرا سيجده في عالم الآخرة ، وكما تنحصر فائدة العمل للعامل في تلك الأجرة التي يأخذها من صاحب العمل ، فإذا لم تكن هناك أجرة ذهبت أتعابه سدى ، كذلك فائدة العبادة - عند هؤلاء - هي تلك الأجرة التي يعطاها العابد في عالم الآخرة في بضاعات وسلع مادية . وأما أن صاحب العمل إنما يعطي الأجرة عوضا عما يستفيده من عمل العامل ، فما هو الذي يستفيده صاحب الأمر في العالم ( وهو اللّه ) من عمل عبده هذا الضعيف الذليل وعلى فرض أن يكون عطاء الأجر على العبادة تفضلا منه وكرما ، فلما ذا لا يعطاه بدون أن يصرف مقدارا من طاقاته في عبادته سبحانه فهذا مما لا تفكر فيه هذه الطائفة من العابدين إذ العبادة - عند هؤلاء - نفس هذه
--> ( 1 ) « طلب العلم فريضة » - الرسول الأعظم ( ص ) . ( 2 ) « العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال » حديث شريف . ( 3 ) « خير الناس من نفع الناس » - حديث نبوي شريف . ( 4 ) وقد ورد في ذلك أحاديث عن أئمة أهل البيت ( ع ) جمعها الشيخ الصدوق في كتاب بجزئين أسماه ( علل الشرائع ) .